الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
369
المنقذ من التقليد
جور وظلم ويلزمهم العوض في ذلك . وإن كان سبب الغلاء من اللّه تعالى بأن يقلّل الرّيع ويكثّر الخلق المحتاجون « 1 » أو يقوى رغبات الناس في الأطعمة وشهواتهم لها ، أو يقلّل الأمطار ، أو يتلف الأقوات بنوع من الآفات السماويّة ، فذلك الغلاء منه تعالى ، فعله للمصلحة ، والعوض في ذلك عليه ، فيجب الصبر عند ذلك ، والكفّ عن الشكوى والجزع ، وربما يفعله عقوبة في حقّ من يستحقّها . ومتى كان سبب الرّخص إكراه الظّلمة على بيع الشيء بأقلّ ممّا يساويّ فذلك ليس من اللّه ، بل هو من الظلمة ، وهو جور وظلم . وإن كان الرّخص بسبب أنّ الولاة والأمراء والحكّام يؤمّنون السبيل ويمنعون قطاع الطريق والسرّاق من التعدّي والغصب ، ويرغبون التجّار في جلب الأمتعة باللطف دون العنف ، أو يبيعون ما عندهم من الأمتعة بثمن ناقص ، فذلك الرّخص يكون أيضا مضافا إليهم ويكونون بذلك منعمين مستحقّين للشكر من الرعايا ، إن قصدوا بذلك الإحسان إليهم . ومتى كان سبب الرّخص من اللّه تعالى بأن يكثّر خلق الأطعمة أو يقلّل عدد المحتاجين إليها ويضعّف رغبات الناس إليها وشهواتهم لها ، فذلك الرّخص منه تعالى ، وهو حكمة وصواب ، ويجب علينا الشكر عليه . ومن الجائز أن يكون ذلك لطفا . ولمّا تكلّمنا في الألطاف التي هي من جهته تعالى ، فلنتكلّم فيما يكون من فعل العباد من ألطافهم ونقول : الألطاف التي هي من فعلنا تنقسم إلى ما نعلم بعقولنا كونه لطفا كالشرعيّات ، وما نعلمه بالشرع لا كونه لطفا ، كمعارف التوحيد والعدل ، فنستغني في علمنا بوجوب ذلك علينا من الشرع ، وإلى ما لا
--> ( 1 ) م : خلق المحتاجين .